من معالم التنزيل
وما كنا لنهتدي لولا
أن هدانا الله
![]() |
Coulumnis at the Magazine |
محمد
عالمكير
السنة
الثانية من العالية الشريعة
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم أما بعد!
أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم "وَقَالُوا
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ
أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ" [الأعراف:43].
يقولها أهل الجنة بعد
أن يدخلوا فيها شكراً لله تعالى، معترفين بأنهم لم يدخلوها بأعمالهم، ولا بعلومهم
التي كانت راقية في الدنيا، ولا بشيئ مما يتعلق بما عندهم، ولولا أدركتهم رحمة
الله، لما كان لهم أن يبلغوا ما بلغوه "وَمَا كُنَّا
لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ" [الأعراف:43] فقولهم هذا
يدل على معاني غزيرة، ومفاهيم وفيرة، ومدلولات كثيرة، فيه نفي لعقولهم وحكمهم،
وإنكار لتجاربهم، يعترفون بأنهم لم يدخلوا الجنة بمجاهدتهم في العمل، ومبالغتهم في
الرياضة النفسية، يردون الفضل في ذلك إلى رحمة الله وحده "لَوْلاَ
أَنْ هَدَانَا اللَّهُ" [الأعراف:43].
- ثم يبينون السبب الذي حصلت لهم النعمة، فيقولون "لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ" [الأعراف:43] إذ أن الله تعالى ليس ينزل إلى الأرض نزولاً، لكي يهدي الناس، ولا يأخذ بيد الإنسان حتى يهديه، بل إنه اختار سفرة بينه وبين عباده، يبلغونهم عنه، ويهدونهم بإذنه، أولئك هم الرسل، وأولئك هم السفرة بين الله وبين خلقه، يبعثهم الله إليه ليهديهم إلى الحق، وليبلغوهم غايتهم الأصلية، وليتركوهم على المحجة البيضاء التي أضلتها الإنسانية، فهي في عماية وضلالة ولو لا جاءتهم الرسل بالبينات، لما أبصروا هدى، ولكانوا في ضلال بعيد، فكيف ينسى أهل الجنة، بعد أن أتم الله عليهم نعمته، أولئك الرسل والسفرة، الذين كانوا سبباً لهدايتهم، وبلوغتهم هذا المنزل الرفيع من الجنة، وبهم أنجاهم الله من النقم، وأفاض عليهم النعمة ودرأ عنهم البلاء والمحنة، وهداهم إلى سواء السبيل ومهما كانوا في الدنيا، دعاة أو مبلغين، وعلماء أو متكلمين بلسان الشرع المبين، فقد نهلوا من منبع النبوة الفياض، واستقوا من مائه العذب الزلال، ولو لا أولئك الرسل لما اهتدى الحيران ولا أبطر العميان، واللعب بالإنسان عدوهم الشيطان، ولأضلهم ضلالاً مبيناً، إذ أن معرفة الله لا تتأتى إلا ببيانهم، والوصول إليه لا يمكن إلا بالسلوك على الطريقة التي يسلكونها ويدعون إليها الناس، وهو السبيل المأمون من كل آفة والمحصون من كل زلل".
