أبو فراس الحمداني
هو أبو الحارث بن أبي العلاء بن
عم سيف الدولة، ولد بمنبج وربي في حجر النعيم بين أبهة الملك وعزة السلطان، فنشأ على خل العظماء شجاعاً أبي النفس، سليم الطبع، كريم الخلق، جامعاً بين أدبي السيف والقلم.
وانطلق لسانه برائع الشعر في الفخر والحماسة ووصف الحروب، حتى خانه الفوز، فأسره الروم في بعض المواقع وهو جريح قد أصابه سهم بقي لضله في فخفره، فسجنوه بخرشنة، ثم نقله إلى القسطنطينية وتعذرت المفاداة فلبث في السجن أربع سنين ظهرت فيها أشعاره الروحيات ملأى بعواطف الحب والحنين إلى أهله وأحبابه، ممثلة ما يكن صدره من لواعج الشوق لأمه العجوز وابنته الوحيدة، وعوامل الحب لسيف الدولة، ولم يزل أبو فراس يعالج مرارة الأسر وجرارة الشوق حتى تنوظر في الهدنة والأسرى فأطلقه الروم بعد أن أكرموه وبجلوه.
صفاته وأخلاقه:
كان أبو فراس كما قدمنا بطلاً أبياً سحياً معجباً بشعره وبنفسه، كثير الفخر بأصله وقومه، عزوفاً عن الشراب والجحون، فبرئ شعره من كل ذلك وانطبعت أخلاقه، وهو القائل:
لئن خلق الأنام لحسو كأس
ومزمار وطنبيور وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلاّ
لمجد أو لبأس أو لجود
شعره:
شعر أبي فراس على مثال الشعر القديم متانة وأسلوباً إلا أن عليه رواء الطبع، وسمة الظرف، وعزة الملك، وتجتمع هذه الخلل إلا في شعر عبد الله بن المعتز، وكان الصاحب بن عباد يقول: "بدئ الشعر بملك وختم بملك"، يعني امرأ القيس وأبا فراس، وقد تصرف هذا الشاعر في أغلب فنون الشعر فأجاد، إلا أن منزلته في الفخر والاستعطاف والعتاب أعلى، وروحياته أجل وأدل على فضله، فأن مثله لا يزكو به أن يمدح أخيراً، أو يهجو صغيراً، أو يذيل مصون شعره بين الشراب والمجون، فقد علمنا كيف نشأ وأين درج.
نموذج من شعره:
قال وقد سمع حمامة تنوح على شجرة بالقرب من سجنه بالقسطنطينية:
أقول وقد ناحت بقربى حمامة
أيا جارتا لو تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى
ولا خطرت منك الهموم ببالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي ترى روحاً لدي ضعيفة
تردد في جسم يعذب بالي
أيحمل محزون الفؤاد قوادم
على غصن نائي المسافة عالي!
أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة
ولكن دمعي في الحوادث غالي
ومن قصيدة له إلى سيف الدولة يستعطفه:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه
ومن أين للحر الكريم صحاب
وصار هذا الناس إلا أقلهم
ذئاباً على أجسادهن ثياب
تغابيت عن قوم فظنوا غباوة
بمفرق أغباناً حصى وتراب
إلى الله أشكو أنا بمنازل
يحكم في آسادهن كلاب
تمر الليالي ليس للنفع موضع
لدي ولا للمعتفين جناب
ولا شد لي سرج على متن سابح
ولا ضربت لي بالعراء قباب
ستذكر أياي غير وعامر
وكعب على علاتها وكلاب
أنا الجار لا زادي بطيئ عليهم
ولا دون ما لي في الحوادث باب

No comments:
Post a Comment